الشيخ محمد علي طه الدرة

365

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

نطّوّف بالصّفا ، والمروة في الجاهلية ، فأنزل اللّه عز وجل : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ . . . إلخ . قالت عائشة - رضي اللّه عنها - : « ثمّ قد سنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الطواف بهما ، فليس لأحد أن يدع الطواف بهما » . رواه الشيخان ، وأحمد . وقال أنس - رضي اللّه عنه - : كنّا نرى : أنّهما من أمر الجاهلية ، فلما جاء الإسلام ؛ أمسكنا عنهما ، فأنزل اللّه عز وجل : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ . وقال الشعبيّ : كان ( إساف ) على الصفا ، وكانت ( نائلة ) على المروة ، وكانوا يستلمونهما ، فتحرّجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما ، فنزلت هذه الآية . وقال طليب : رأى ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قوما يطوفون بين الصفا ، والمروة ، فقال : هذا ما أورثتكم أمّكم أمّ إسماعيل . هذا ؛ وذكّر الصّفا ؛ لأنّ آدم عليه السّلام وقف عليه فسمي به ، ووقفت حواء على المروة فسميت باسم المروة ، فأنّث لذلك ، وزعم أهل الكتاب : أنّ إساف ، ونائلة زنيا في الكعبة فمسخهما اللّه حجرين . فوضعوهما على الصفا ، والمروة ليعتبر بهما الناس ، فلما طالت المدة ؛ زين الشيطان عبادتهما لهم ، فعبدا من دون اللّه . واللّه تعالى أعلم . وفي صحيح مسلم - رحمه اللّه تعالى - : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما فرغ من طوافه بالبيت عاد إلى الرّكن ، فاستلمه ، ثمّ خرج من باب الصّفا ، وهو يقول : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ثمّ قال : « أبدأ بما بدأ اللّه به » ، وقال : « اسعوا فإنّ اللّه كتب عليكم السّعي » . وقد استدلّ بهذا الحديث من يرى : أنّ السّعي بين الصفا والمروة ركن في الحج ، كما هو مذهب الشّافعي ، ورواية عن أحمد ، وهو المشهور عن مالك . وقيل : إنّه واجب ، وليس ركنا ، فإن تركه عمدا ، أو سهوا ؛ جبره بدم . وهو رواية عن أحمد ، وهو عند الحنفية مستحب ، وقيل : واجب . واحتجّوا بقوله تعالى : فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً والقول الأوّل أرجح ؛ لأنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم طاف بينهما ، وقال : « خذوا عنّي مناسككم » ، وبيّن اللّه تعالى : أنّ الطواف بين الصفا ، والمروة من شعائر اللّه ، أي ممّا شرع اللّه تعالى لإبراهيم ، وإسماعيل في مناسك الحج . وقد تقدم في حديث ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : أنّ أصل ذلك مأخوذ من طواف هاجر رحمها اللّه تعالى ، وتردادها بين الصّفا ، والمروة في طلب الماء لها ، ولولدها لمّا نفد زادهما ، فلم تزل تتردّد في هذه البقعة المشرّفة بين الصفا والمروة ، متذلّلة ، خائفة ، وجلة ؛ حتّى كشف اللّه كربتها ، وآنس غربتها ، وفرّج شدّتها ، وأنبع لها زمزم ؛ التي ماؤها ( طعام طعم ، وشفاء سقم ) فالسّاعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره ، وذلّه ، وحاجته إلى اللّه في هداية قلبه ، وصلاح حاله ، وغفران ذنبه ، وأن يلتجئ إلى اللّه - عز وجلّ - لتفريج ما هو به . الإعراب : إِنَّ : حرف مشبه بالفعل . الصَّفا : اسمها منصوب ، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر ، وهناك مضاف محذوف ؛ إذ الأصل : إنّ طواف الصفا ، فلما حذف المضاف ؛ أخذ المضاف إليه محلّه في الإعراب . وَالْمَرْوَةَ : معطوف على سابقه . مِنْ شَعائِرِ : متعلقان بمحذوف خبر : إِنَّ ، والجملة الاسمية : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ . . . إلخ ابتدائية لا محل لها من